رؤية لحركة الاحتجاجات السورية

أنا شخصياً أحمل غورباتشوف سوريا (الدردري) معظم المسؤولية عن تدمير الاقتصاد السوري و اطالب بمحاكمته و فريقه  …… سعد

هل ماتمر به سورية اليوم ، أزمة تعبر عن عمق التحولات التي أحدثتها الطريقة التي تم فيها إدارة شؤون البلاد بما فيها تداعيات السياسة الاقتصادية والاجتماعية ، أم أن ذلك إنما هو مؤامرة خارجية – سببت حركة الاحتجاجات – أو التحقت بها ؟  .
إن قراءة متأنية لما حصل ويحصل في سورية منذ منتصف آذار الماضي يمكن أن تضعنا أمام حقائق توضح لنا صورة الأحداث على أن تنطلق هذه القراءة من تحليل موضوعي ، بعيداً عن المواقف المسبقة أو الاستنتاجات المتحيزة، تنطلق من رؤية شفافة لما جرى من تحولات فرضتها مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية المتصلة بالتطورات الاقتصادية والاجتماعية من جهة وبشكل النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يوضح طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة ، وبين المواطن والحزب، وبين الحزب والدولة ، وما يتصل بذلك من إخفاق لعقود التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، مما دفع إلى جانب عوامل أخرى سياسية إلى انتهاج السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة التي توصي بها المؤسسات الدولية ( برعاية وتوجيه الولايات المتحدة ) وينصح بها الاتحاد الأوروبي.
وقد نجم عن ذلك كله نتائج سياسية واقتصادية واجتماعية تمثلت في إحداث تغيير جذري في الحامل الاجتماعي المعلن للنظام ، فبعد أن كان هذا الحامل يشمل قطاعاً واسعاً من الفلاحين والعمال وصغار الكسبة والبرجوازية الوطنية والعسكريين ، أصبح الحامل الاجتماعي للنظام يتكون على نحو أساسي من تحالف رجال الأعمال الجدد والفئة العليا من البيروقراطيين فضلاً عن مجموعة واسعة من التجار والسماسرة والقطاع الخاص التقليدي المستفيد من التحولات الاقتصادية الجارية باتجاه اقتصاد السوق ، وإلى جانب ذلك شهدت السنوات الأخيرة انحساراً في الطبقة المتوسطة وتراجعاً في دور المثقفين والأكاديميين ، وتوسعاً في  العشوائيات والعاملين في اقتصاد الظل وطغيانا واضحا للفساد والمفسدين مع تراجع القطاع الاقتصادي العيني وتصاعد في نشاط الاقتصاد المالي والنقدي والسياحة والمضاربات العقارية وأعمال الخدمات المرتبطة بذلك .
وقد تبدى على نحو أكثر وضوحا استئثار القلة بالسلطة والمال ، والتراجع في عدالة التوزيع وزيادة الفجوة في الدخول والثروة ، رغم المناداة بانتهاج سياسات اقتصاد السوق لاجتماعي بينما يجري عمليا دفع الاقتصاد بفروعه المختلفة نحو علاقات تحكمها قوى السوق وآلياته، وما نجم عن ذلك من احتكار بعيدا عن المنافسة الشريفة ، فضلا عن تهميش وإقصاء الغالبية لصلاح شريحة صغيرة من المجتمع التي ارتبطت تاريخيا ، فأنجبت هذا النوع من الحكم الذي ولد ونمى وترعرع ضمن ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية داخلية وخارجية ( إقليمية ودولية ) أسهمت في إنضاجه وإعادة إنتاجه على النحو الذي ولدت من أحشائه حركة الاحتجاجات التي بدأ صغيرة ومتواضعة وسلمية لها مطالب حقة تتعلق بالخبز والكرامة والحرية ، ثم تصاعدت حدتها ،فتحولت إلى ” مؤامرة ” خارجية لها امتدادات داخلية ،وانتقلت من مكان إلى آخر ، لعب فيها الخارج دورا مهما ، مستفيدا من حالة الرفض والاحتجاج مستخدما وسائل الاتصال الحديثة ، إلا أن رد فعل الأجهزة الأمنية وممارساتها القاسية والعنيفة ، كان لها الدور الأساسي في اتساع رقعة الاحتجاج من جهة وفي التقاط الخارج ( والداخل المعارض ) اللحظة فبدأ الضخ الإعلامي المدعم بتكنولوجيا الاتصالات ، ومع منع الصحافة ووكالات الأنباء الخارجية من تغطية الأحداث ، أصبح كل من يحمل ( جهاز خلوي ) مع بعض التسهيلات الفنية  مصدرا للأخبار ووكالة أنباء متنقلة ، وأصبح ( الشاهد العيان ) هو من يعتمد عليه في نقل ما يجري في مقابل إعلام رسمي مشكوك بمصداقيته ، مما أتاح الفرصة أمام الإعلام الخارجي لتصوير الأمور على النحو الذي يرغب ( بتجييش ) المشاعر ودفع الأمور نحو الطريق المسدود ، طريق الأزمة المعقدة والمركبة الحاملة لأوجه عديدة ، أزالت الأحداث بعضا من أقنعتها القديمة ، وأصبحت الأحقاد والعشائرية والطائفية والمناطقية سيدة الموقف بعد أن امتزجت بالمطالب الحقة والشعارات المتطرفة ، فاختلط المعقول باللامعقول ، والممكن بالمستحيل ، وأثيرت أحط النوازع الثأرية مندمجة بأحلام المشروعة والأماني النبيلة,مستخدمة الشعارات الدينية والعرقية لإيقاظ الفتنة , وتهديد السلم الأهلي, فغاب الوعي الصادق عن البعض ليحل محله العنف و الدم الذي استخدم في دائرة مفرغة لتجييش العواطف وإشعال النار ومنع إخمادها ، وتطوع كل من كان ينتظر اللحظة من اجل استمرار حالة التأزم والدفع بالبلاد والعباد نحو الهاوية .بعد أن برزت المجموعات المسلحة لتنتشر في تحد واضح للقوى الأمنية ، مما استدعى الأمر إلى اشتراك الجيش في عميلة ملاحقة المسلحين فكان ذلك إيذانا بتكريس الحل الأمني _ العسكري، مما أزاح إمكانية  الحوار الوطني والحل السياسي ,فازداد تعقيد الأزمة ووضعت البلاد في طريق مسدود.

المضامين الاقتصادية والاجتماعية لحركات الاحتجاج في سورية ..
اذا كان لحركات الاحتجاج مضامين وخلفيات سياسية وثقافية واقتصادية واجتماعية ,فاننا نقتصر في هذه الورقة على المضامين الاقتصادية والاجتماعية رغم قناعتنا بترابط  وتماسك هذه المضامين جميعا .
وتكمن الخلفية الاقتصادية والاجتماعية لحركة الاحتجاجات في سورية ، في النتائج الكارثية لانتهاج السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة, والمضي بعيدا في الانفتاح الاقتصادي وتحرير التجارتين الداخلية والخارجية ,وتشجيع الاستثمار في القطاعات السياحية والعقارية والخدمات والتأمين والمالية ,والإهمال (شبه المتعمد) للاستثمار الصناعي والزراعي ,دون ان ننسى دور الفساد والإفساد في تخريب العلاقات الاجتماعية وإثارة الضغائن في النفوس مما يهدد السلم الاجتماعي و يخرب المجتمع  وإزاء ما يحدث من تهديدات أميركية و أوروبية ,وتدخلات تركية ,ومع الانضمام العلني لدول مجلس التعاون الخليجي إلى معسكر الضاغط على سورية ,ومع ما يلوح في الافق من احتمالات تدخل عسكري على غرار ما حدث ويحدث في ليبيا ,تكون تركيا رأس الحربة فيه ,أمام هذه الأجواء الضاغطة  تبدو لنا المسألة الاقتصادية _الاجتماعية ,غائبة ,فلا الخارج الأميركي_الأوروبي (والتركي _العربي الرسمي)يطرح هذه المسألة ,ولا حركات الاحتجاج تطرحها على نحو واضح و صريح ,رغم أنها تشكل البؤرة التي ولدت فيها تلك الحركات,الا أن رد الفعل الأمني من جهة ,والتحرك الخارجي من جهة ثانية ,غيبا الأبعاد الاقتصادية و الاجتماعية لحركة الاحتجاج ,على أهميته ,وعلى الرغم من دوره الأساسي في توليد حركات الاحتجاج و تأزم الأوضاع الأمنية والسياسية في سورية.
وإذا كان التآمر الخارجي على سورية لم يغب يوما في تاريخها منذ الاستقلال فالمؤامرة برزت الآن أكثر حدة وحضور لتعترض طريق سورية التحرري و تعيق تقدمها وتجهض فيها كل مشروع إصلاح سياسي و تنموي تحرري و تحريري .و المؤامرة اليوم تكتسب بعدا خطيرا ,لقد وقف الشعب في سورية دائما في وجه المؤامرة وضد العدوان وضد المشاريع الاستعمارية ,الا أن المؤامرة الحالية ولدت في الشارع السوري  وفي الاحتجاجات ,ما يفسح لها المجال لتصول وتجول ولتقلب الأوضاع رأسا على عقب,ولتظهر بمظهر المدافع عن حقوق الإنسان السوري المناصر لحريته وكرامته ,في الوقت الذي يعرف فيه الجميع ,أن الولايات المتحدة (والغرب الأوروبي) ,هي من انتهكت حقوق الإنسان ,وهي من ناصرت العدو الإسرائيلي ، وهي من شجعته على العدوان وعلى استمرار انتهاك حقوق الشعب الفلسطيني (الذي يعيش في سورية منه ما يزيد عن نصف مليون) من هنا تكتسب المؤامرة في ظل شكلها الجديد تحت ظل حركات الاحتجاج ,طمعا خاصا ,فهي و إن كانت لم تبدأ مع تصاعد حركات الاحتجاج ,فان التدقيق في مقدمات هذه الحركات ,يجعلنا نقف على حقيقة الدور الذي لعبته السياسات الاقتصادية و الاجتماعية  ,(التي أوصت بها المؤسسات المالية الدولية ,والاتحاد الأوروبي) في تهيئة المناخ الملائم لإشعال فتيل المؤامرة ,لقد كان الشعب في سورية يقف باستمرار في وجه التآمر الخارجي ,ويكشف عن أبعاده ,ويعري أهدافه ,ولكنه اليوم يقع فريسة لهذا التآمر الذي بدأت الإدارات الاقتصادية المتعاقبة تستمتع الى نصائح التحول نحو اقتصاد السوق ,وتلهث وراء ثناءات المؤسسات الدولية الاتحاد الأوروبي ،هذه الجهات التي بدأت تلامس طلائع نجاح تلك الإدارات في تنفيذ توصيات ونصائحها و الرضوخ لمتطلباتها .
لقد أوصلت السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة التي تم إتباعها في السنوات الأخيرة ,سورية إلى ما يمكن دعوته ب “مجتمع المخاطر ” حيث تتولد عناصر الاحتجاج من خلال تزايد الفجوة بين الدخول والثروات ,وتزايد أعداد العاطلين عن العمل خاصة بين الشباب ، واتساع دائرة الفقر ,وانتشار ظاهرة الفساد والإفساد ,وعدم التقيد بالقوانين وصولا إلى إضعاف الاقتصاد بهدف إضعاف الدولة تجاه ما يطلب إليها من الخارج ,في حين تقوى القبضة الأمنية تجاه مطالب الداخل، ونجم عن ذلك احتكار الاقتصاد من قبل القلة على حساب الأكثرية .
ورافق ذلك كله غياب الحياة السياسية وبالتالي غياب الرقابة الشعبية _ والمنظمات السياسية واحتكار العمل السياسي من قبل القلة ، باسم حزب بنى نضاله السياسي انطلاقا من إيمانه بالوحدة والحرية والاشتراكية ,في حين أنه أخفق في تحقيق أي من هذه الأهداف (لأسباب و عوامل عديدة لسنا بصددها الآن )فأقام نظاما على مدى أكثر من خمسين عاما (لا تخلو من الانجازات )إلا أنه أصبح من الضروري الآن إعادة النظر في الأسس التي يقوم عليها هذا النظام في ضوء حركة الاحتجاجات التي تجتاح المناطق السورية ,وفي ضوء التطورات والتغيرات التي تجتاح العالم والتي يلعب فيها التطور التقني والعلمي ، ولا سيما في مجال تكنولوجيا الاتصالات ، دورا رئيسيا .كما أصبح من غير الممكن تجاوز بعض المقولات التي أخذت طابعا دوليا مثل حقوق الإنسان والديمقراطية .كما أصبحت قضايا جوهرية مثل الكرامة والحرية من الأمور التي لم يعد بإمكان أي نظام في العالم تجاوزها

قصة الإصلاح الاقتصادي ولبرلة الاقتصاد  ..
بعد سنوات من التشدد في السياسة الاقتصادية والاجتماعية المنحازة إلى القطاع الأوسع من الشعب (العمال والفلاحين و صغار الكسبة والحرفيين …) في الستينات من القرن الماضي حيث كانت الدولة تتولى قيادة العملية الاقتصادية .ومع نجاح الحركة التصحيحية عام 1970,تم انتهاج سياسة اقتصادية جديدة تحت عنوان “التعددية الاقتصادية “سمح فيها للقطاع الخاص بدور أكبر في الحياة الاقتصادية خاصة في مجال الخدمات والسياحة والعقارات والزراعة وتجارة التجزئة ,وتولت الدولة قيادة وتنفيذ مشاريع التنمية في اطار الخطة الخمسية الثالثة (1971_1975)مستفيدة من أموال المساعدات العربية في أثر حرب عام 1973 ,وما نجم عنها من ارتفاع متزايد في أسعار النفط.واستكملت السياسة التنموية في الخطة الخمسية الرابعة (1976_1980) حيث تم التركيز على إحكام سيطرة القطاع العام على أهم المفاصل الاقتصادية بما فيها التجارة الخارجية وتجارة الجملة. وإقامة المشروعات الصناعية و استكمال مشروعات البنية التحتية بوجه خاص .وكان ينتظر أن تبدأ المشروعات  التنموية بالعطاء مع بداية الثمانينات ,الا أن تعرض لتأخر في الانجاز ولسوء التنفيذ و تردي المواصفات الفنية و بدا واضحا دور الوسطاء في انجاز مشروعات التنمية (خاصة في القطاع الصناعي )مما يؤشر الى دور الفساد في عقود التوريد ,الا أن تشكيل لجنة للكسب غير المشروع على أعلى المستويات ,وعدم الأخذ بتقاريرها أطلق العنان لظاهرة الفساد للانتشار والتوسع ,مع بروز دور قوي لرموز الفساد فازداد نفوذهم .ومع توقف المساعدات العربية في منتصف الثمانينات ,بدأ الاقتصاد السوري يعاني من صعوبات عديدة تمثلت في قفص القطع الأجنبي والتأخر في انجاز المشاريع ,والنقص في مستلزمات الإنتاج وفي المواد الحياتية والاستهلاكية .مما سهل على القيادة السياسية أمر إعطاء دور أكبر للقطاع الخاص في التجارة الداخلية والخارجية.من خلال تخلي الدولة عن العديد من مهامها التجارية والتنموية .وفي مطلع التسعينات ,ومع تصاعد الأزمة الاقتصادية ,تم التوجه نحو تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار ,فصدرت القوانين والتعليمات التي أعطت المستثمرين (المحليين و العرب والأجانب ) تسهيلات إعفاءات في معرض قيامهم بالاستثمار في قطاعات الصناعة والزراعة و السياحة و النقل ,وقد أثمر عن ذلك تحسن ملحوظ في الحياة الاقتصادية ,وساعد في ذلك الاجواء السياسية التي نجمت عن الدعوة الى محادثات مدريد و إشاعة أجواء السلام بعد حرب أخراج العراق من الكويت ، إلا أن ذلك بدأ بالانحسار منذ منتصف التسعينات مع انكشاف زيف السياسة الأميركية _ الصهيونية وعدم الجدية في تحقيق السلام الذي أساسه الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني و الانسحاب الكامل من الجولان .
وبدأت الصعوبات الاقتصادية بالظهور ، وفي أواخر القرن العشرين بدأ يُطرح على النقاش موضوع الإصلاح الاقتصادي وتوجهاته وبرز من خلال ذلك تيارين :
الأول : يريد استعادة دور الدولة التنموي ، مع التركيز على إصلاح القطاع العام ، والنظام المالي والضريبي ، والتمسك بالقرار الاقتصادي المستقل ، دون إغفال التغيرات العالمية والإقليمية .
والثاني : يرى الإسراع في انتهاج سياسات اقتصاد السوق الحر وإطلاق حرية التجارة ورأس المال وتولي القطاع الخاص قيادة الاقتصاد، وفيما يتعلق بالقطاع العام تفاوتت آراء هذا التيار بين تركه ( ليموت ) وبين خصخصته ، وعلى صعيد العلاقات الاقتصادية الخارجية يرى هذا التيار الانخراط بالاقتصاد العالمي والالتحاق بالعولمة للاستفادة من الفرص التي تتيحها تلك العولمة.
وبعد نقاشات وحوارات عديدة ، تم اعتماد ” اقتصاد السوق الاجتماعي ” من قبل القيادة  السياسة ” منتصف 2005 ” إلا أن ما جرى تطبيقه فعلا هو اعتماد السياسات الاقتصادية والمالية والتجارية الليبرالية ، التي تندرج في جدول أعمال المؤسسات الدولية ( صندوق النقد الدولي ـ البنك الدولي ـ منظمة التجارة العالمية ) وبالاستناد إلى مشورة بعض الخبراء الاجانب والعرب فضلا عن نصائح بعض السوريين في الخارج ، وجرى إصدار مجموعة من القوانين والأنظمة التي كان من شأنها إجراء تحولات اقتصادية واجتماعية في العمق من خلال تحرير التجارتين الداخلية والخارجية والسماح بتأسيس المصارف الخاصة وشركات التأمين وسوق للأوراق المالية والبورصة ، وتخفيض الضرائب على الفئات الغنية وتسهيل المضاربات المالية والعقارية، وفي ذات الوقت جرى انسحاب الدولة من أية استثمارات جديدة في القطاع الصناعي ، وتخفيض الدعم المقدم للسكان وللزراعة مع إهمال متعمد لقطاع الصحة ولقطاع التعليم الرسميين وتخفيض مخصصاتهما ، وفي الوقت ذاته تشجيع القطاع الخاص ، وقد جرى تنفيذ هذه السياسات عن طريق الصدمة بحجة عدم فوات القطار ، مع إهمال أي إصلاح للقطاع العام الصناعي والإنشائي ، وفتح باب الاستيراد على مصراعيه بعد تخفيض الرسوم الجمركية ( خاصة على السيارات الصغير).
وقد جاء تطبيق هذه السياسات مع حملة إعلامية واسعة تهدف إلى جذب الاستثمار العربي والأجنبي، مع تشجيع القطاع الخاص على إعادة الأموال الموظفة في الخارج. وقد تجذرت التوجهات الاقتصادية الليبرالية في الأوساط البيروقراطية والأكاديمية بفعل النشاط المحموم لمندوبي المؤسسات الدولية وممثلي الاتحاد الأوروبي ، ونشاط مركزي الأعمال الأوروبيين في كل من دمشق وحلب ، فضلا عن نشاط بعض السوريين المغتربين العاملين في المصارف والمؤسسات الأجنبية وكذلك متطوعي رجالا الأعمال السوريين في الخارج، حيث رافق ذلك بزوغ دور رجال الأعمال الجدد النافذين في السلطة وتراجع دور الحزب الحاكم والمنظمات الشعبية ( الفلاحين والعمال بوجه الخصوص ) ، بينما حظيت السياسة الاقتصادية الليبرالية الجديدة بمباركة الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ويتجلى ذلك بالمساعدات (الفنية) التي قدمها الاتحاد الأوروبي من أجل إعادة تأهيل بعض المؤسسات والكوادر البيروقراطية وتدريبهم في إطار عملية التحول نحو اقتصاد السوق ، وكذلك في تقارير صندوق النقد الدولي وفق الاتفاق الجاري مع الحكومات السوري ، حيث تشير هذه التقارير الدولية الأخيرة إلى استحسان الصندوق الدولي لمجريات التحول مع التأكيد على أن أمرين اثنين يجب الإسراع بهما ، وهما : تحرير أسعار المشتقات النفطية ، وفرض ضريبة القيمة المضافة . وجرى بالفعل خلال السنتين الماضيتين رفع أسعار المشتقات النفطية ، إلا أن مشروع مرسوم فرض ضريبة القيمة المضافة بقي دون توقيع حتى الآن ، ليس بسبب عدم القناعة بهذه الضريبة وإنما لأسباب فنية تتعلق بكيفية تطبيقها وعدم وجود الكادر الوظيفي.
وقد أدت هذه السياسات فيما أدت إليها إلى إضعاف قبضة الدولة القانونية ( رغم حزم القوانين الصادرة خلال الفترة ) وإلى إشاعة أجواء الفساد والإفساد، وإلى توسع الاقتصاد الأسود والرمادي (من التهرب والرشوة إلى مخالفات البناء وتوسع العشوائيات مرورا بفساد العقود بين الدولة والموردين والاعتداء على أملاك الدولة والمال العام) وبذات الوقت يلاحظ تصاعد دور ( رجال الأعمال الجدد ) في قيادة الاقتصاد الوطني وتولي مفاصله الاساسية .
وقد أدى التحول السريع نحو الانفتاح الاقتصادي والالتحاق بالاقتصاد العالمي والعولمة إلى تحويل متعجل للنمط التنموي السوري الموجه نحو تلبية متطلبات الداخل إلى نمط جديد موجه إلى الخارج رغم عدم انضمام سورية إلى الشراكة الأوروبية أو إلى المنظمة العالمية للتجارة الأمر الذي أدى إلى فتح الأسواق السورية للمنتجات الاجنبية مما أغرق أسواقها بهذه المنتجات في الوقت الذي لم يصل فيه الإنتاج الوطني إلى مستوى القدرة التنافسية التي يستطيع بها أن يقف في وجه المنافسة في الاسعار والجودة للمنتجات الاجنبية التي غزت الأسواق المحلية.
وأدى ذلك كله إلى تراجع الإنتاج المحلي وإغلاق العديد من المعامل والورشات الإنتاجية والحرفية . وزيادة المستوردات مما أثر على الميزان التجاري من جهة وزيادة عدد العاطلين عن العمل من جهة ثانية.
وفي مقابل انحسار القطاع العيني الإنتاجي ، جرى التوسع في القطاعات العقارية والسياحية والمالية والخدمية ، وبرز هنا على وجه الخصوص تحالف رجال الأعمال الجدد ( الذي شكلوا بعض الشركات القابضة ) مع رؤوس أموال خليجية وأجنبية مما سرع في وتائر عملية التعولم الداخلية ، وتكيفها مع السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة مما يشكل أهم منجزات عملية إعادة الهيكلة الجارية في الاقتصاد والمجتمع والثقافة والتربية والتعليم .

ماذا حصل للتنمية ؟
رغم الإعلان الرسمي عن تحقيق معدل نمو اقتصادي يصل إلى 5.1% وسطيا خلال الفترة ( 2000-2010 ) فإن تردي الأوضاع الاجتماعية ومؤشرات التنمية البشرية طرح على نحو جاد الاسئلة حول مدى دقة الأرقام المعلنة لمعدلات النمو ، وإذا كانت هذه الأرقام صحيحة إلى من تم تحويل حصيلة النمو في الاقتصاد ؟ومن المستفيد من النتائج ؟
ولما كان معدل النمو الاقتصادي لا يعطي فكرة دقيقة عن التطور الاقتصادي والاجتماعي ، ولا يشكل مؤشرا رئيسيا لحصيلة عملية التنمية فهو لا يؤدي لوحده إلى تحقيق التنمية ، ما لم يرتبط بسياسات اجتماعية تتجاوز النمو ( الكمي ) إلى تحقيق تنمية ( نوعية ) عادلة ومستدامة ، ولما كان معدل النمو الاقتصادي لا يؤدي لوحده إلى التنمية المرجوة ، إلا أنه شرط ضروري لتحقيقها ، لذا فإن الوقوف على مدى النجاح في تحقيق التنمية يمر عبر الإجابة على ثلاثة أسئلة رئيسية :
1-ماذا حصل للفقر ؟
2-ماذا حصل للبطالة ؟
3- ماذا حصل في تقريب الفجوة بين الدخول والثروة ؟.
وقبل الإجابة على هذه الاسئلة ، لا بد من الوقوف على معطيات أخرى تتعلق بالموضوع وهي معدل النمو السكاني ومعدل التضخم وهذان المعدلان على صلة مباشرة بالتحليل النهائي لحصيلة عملية التنمية وحقيقة معدل النمو الاقتصادي المحقق .
لقد كان معدل النمو السكاني خلال الفترة المبحوثة يصل إلى 2.38 % وفقا للإحصاءات الرسمبة وهو من أعلى معدلات النمو في العالم ، ولما كان لهذا المعدل علاقة مباشرة للربط ما بين النمو والتنمية ، فإنه يفترض ألا يقل معدل النمو الاقتصادي الحقيق ( في ظل شروط وظروف التنمية في سورية ) عن ثلاثة أضعاف معدل النمو السكاني أي ألا يقل عن 7% -8% .
وفي هذه الحالة ، فإن تغني الإدارة الاقتصادية بما حققته من أنجاز والمديح والثناء الذي قدمته المؤسسات الدولية لها على هذا الإنجاز لا محل له .
أما معدل التضخم ، الذي تشهد عليه الارتفاعات المتوالية للأسعار ( خاصة الحياتية منها التي تهم الفئات الفقيرة والمتوسطة بوجه خاص ) فقد وصل إلى أرقام فلكية ( بالطبع غير معلنة ولم تعترف بها الإدارة الاقتصادية السابقة ) وهو في معظم بحوث الاقتصاديين يصل إلى حدود 25% في بعض السنوات .

1- الفقر :
توصل التقرير الوطني الثاني عن الفقر وعدالة التوزيع  إلى ارتفاع نسبة السكان الفقراء (ما تحت خط الفقر الأدنى ) وفق خط الفقر الوطني من 11.4 % (2.043 مليون نسمة من إجمالي السكان ) عام 2004 إلى 12.3% ( 2.358 مليون نسمة من إجمالي السكان ) عام 2007 .
إلا أن التحولات الهيكلية الناجمة عن السياسات الاقتصادية الليبرالية، أوصلت 22% من إجمالي السكان ( 4.218 مليون نسمة ) إلى ” تحت خط الفقر الأعلى ” . ووفق تقديرات عام 2010 فإن 4.536 مليون نسمة أصبحوا ماتحت خط الفقر الأدنى ، وبالتالي فإن حوالي 7 مليون نسمة ( 34.3% من إجمالي السكان) أصبحوا تحت خط الفقر بفضل السياسات الاقتصادية الموغلة في التمسك بآلية السوق واليد الخفية فضلاً عن تضافر عوامل أخرى كتخفيض الدعم والجفاف وتداعيات الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية 2008 .
وتتركز جيوب الفقر خاصة في الأرياف وفي العشوائيات حول المدن، ويمكن القول أن الفقر العميق يتركز بوجه خاص في المناطق الشرقية والشمالية الشرقية وإدلب وريف حلب ودرعا.
ويبدو مفهوما الآن أن شرارة الاحتجاجات انطلقت من هذه المناطق فضلاً عن مناطق ريف دمشق التي تأثرت بسياسات الانفتاح الاقتصادي التي قضت على العديد من الورشات والمعامل الصغيرة ، كنتيجة مباشرة لإغراق الأسواق بالمنتجات الأجنبية من جراء تحرير التجارة الخارجية وفتح باب الاستيراد على مصراعيه.

2- البطالة :
في ظل سياسة لبرلة الاقتصاد وانسحاب الدولة من الاستثمار الإنتاجي، وعدم إصلاح القطاع العام ، وعدم قدرة أو رغبة القطاع الخاص بالتوجه نحو الاستثمار في القطاعات السلعية وانصرافه للمضاربة في العقارات والعملة والأعمال المالية والمصرفية والتأمين والسياحة والخدمات السياحية، ومع الإهمال المتعمد للزراعة والمناطق الريفية ، وتزايد أعداد المهاجرين من الريف إلى المدينة وتزايد المناطق العشوائية حول المدن فإن البيانات الرسمية حول معدل البطالة تشير إلى انخفاض هذا المعدل من 12.30 % إلى 8.1% عام 2008 وجاء ذلك بسبب إعادة تعريف البطالة على نحو متميز بحيث يقلص عدد العاطلين عن العمل ويرفع حجم المشتغلين لاستخدام ذلك سياسياً وإظهار نتائج سياسات التشغيل على غير حقيقتها لصالح الترويج ( لمحاسن ) اقتصاد السوق.
لكن العديد من الدراسات تؤكد ارتفاع مستوى البطالة إلى أكثر من 16% ومن هذه الدراسات البحثية الجدية ( التقرير الوطني الثاني للسكان ) الذي توصل إلى أن معدل البطالة عام 2009 وصل إلى 16.5% ( 3.7 مليون نسمة) ومن المهم الإشارة إلى أهم خصائص البطالة في سورية :
– فهي كظاهرة شبابية ( 15 – 35 سنة ) تبرز بين الشباب بمن فيهم الخريجين.
– وهي كظاهرة نوعية تبرز أيضاً بين النساء ( البطالة بين النساء أكبر بأربع مرات من الرجال ) .
ومن خصائص البطالة أيضا انتشارها في الريف، وزيادة عدد العاطلين عن العمل من الطبقة المتوسطة المتعلمة ويشكل هؤلاء عصب حركة الاحتجاجات الأخيرة القادرة على الربط بيني الحقوق الاقتصادية – الاجتماعية والسياسية ، وهم الذين يستخدمون في حركة الاحتجاجات ثورة الاتصالات ، واستطاعوا إلى حد كبير استخدام أشكال التجمع الالكتروني أو الافتراضي القابل للتحول إلى ” تجمع فعلي ” ملموس مستفيدين من التسهيلات والدعم المقدم إليهم من القنوات الفضائية ، ومن معارضي الخارج والجهات العربية والأجنبية التي تعمل على تغيير النظام السياسي في سورية تحت عناوين وشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان.

3- عدالة التوزيع :
كان من أهم نتائج التحول إلى تحرير الاقتصاد الليبرالي ، الاهتمام المتزايد من قبل الإدارة الاقتصادية برفع معدلات النمو الاقتصادي دون الاهتمام بعدالة التوزيع، الأمر الذي أدى إلى ان فئة محدودة من رجال الأعمال والبيروقراطيين هي التي قطفت ثمار النمو الاقتصادي، الأمر الذي يفسر ارتفاع نسبة السكان الفقراء، وأدى إلى الاختلال في عدالة التوزيع.
ويشير استخدام مقياس ( جيني ) إلى أن العشر الأدنى من السكان (10%) ويبلغ عددهم 1.9 مليون نسمة (2007) هم الذين يقتربون من الواقعين تحت خط الفقر الأدنى ، وهؤلاء ينفقون نحو 3.5 % من إجمالي الإنفاق ، في حين ينفق أغنى 10% من السكان نحو 27.3% من إجمالي الإنفاق أي ثمانية أمثال ما ينفقه العشر الأول تقريباً.
لقد أدت التحولات الاقتصادية ( من منظور معامل جيني ) إلى تركز الدخل كما يعكسه الإنفاق الاستهلاكي في شرائح محدودة من السكان ، مما يؤكد أن سوء توزيع الدخل يترافق مع درجة عالية من الفقر.
وقد وصل ( معامل جيني ) في سورية إلى 33.8% (2006) ولا يوجد لدينا أرقام حديثة ولكن مما لاشك فيه ، فإن الإمعان بتطبيق السياسات الاقتصادية الليبرالية في السنوات الخمسة الأخيرة ، يشير إلى تزايد الفجوة بين الأغنياء ( القلة ) والفقراء ( الكثرة ).
والسؤال الآن ألم تدرك الإدارة الاقتصادية السابقة في الحكومة السورية سوء عواقب السياسات الاقتصادية الليبرالية التي فرضتها على مسار الاقتصاد السوري ؟ والجواب أنها تدرك بلا شك ما ستؤدي إليه هذه السياسة ، وهي تدرك بالفعل أهمية ما تفعله والتداعيات التي تقود إليها ، والدليل على ذلك ما جاء في ” تقرير تتبع أداء الخطة الخمسية العاشرة ” حيث جاء فيه أنه أمكن ” تحقيق مجموعة من الأهداف ، لايعبر عنها رقمياً ، ويمكن إيجازها بمايلي:
1- نجحت الخطة في تغيير مسار الاقتصاد السوري.
2- تمكنت الخطة من تحقيق هدفها الرئيسي وهو إنجاز التحول في الهياكل والأطر الاقتصادية في سورية نحو اقتصاد أكثر انفتاحاً ، تنافسية واندماجاً في الاقتصاد العالمي ، ونحو اقتصاد مرن يعتمد أساساً على آليات السوق مع تغيير واسع في دور الدولة ، ودليل نجاح هذا النهج وصوله إلى نقطة اللاعودة …
وهذا يعني أن الإدارة الاقتصادية في الحكومة تعتقد أن التحول في الاقتصاد الوطني نحو اقتصاد السوق أنجز ، وهذا ماتسعى إليه وهي بذلك تختم سنوات الخطة الخمسية العاشرة بالقول أن لامجال بعد ذلك للتراجع عن ماسعت إليه انسجاماً مع مقولة ( فوكوياما ) عن نهاية التاريخ ( وقد تراجع عنها فيما بعد ).
نعم .. التحول أنجز وأوصل الاقتصاد إلى نقطة اللاعودة التي أرادتها الادراة الاقتصادية السابقة فقادت البلاد إلى ” مجتمع المخاطر”  الذي تولد عن البطالة والفقر والفساد واستكملت حلقاته بأسلوب الحكم وطبيعته واحتكار العمل السياسي والممارسات الأمنية وتهميش الأكثرية، والمساس بكرامة الإنسان، مما أوصل البلاد إلى ما وصلت إليه من تفجر في الداخل سمح ” للخارج ” أن يفعل مؤامرته القديمة – الجديدة … ويدخل البلاد في دوامة العنف والعنف المضاد ، يهدف احتواء سورية وإلحاقها بالمشروع الأمريكي – الأوروبي – الصهيوني ، ومنعها من تحقيق الإصلاح السياسي والاقتصادي الذي تطمح إليه.ولعل اخطر مافي المشهد السوري حالياً ، تصاعد الأعمال المسلحة وبدء رفع شعارات غريبة عن سورية كالمناداة بطلب حماية المدنيين والتدخل الأجنبي والتلويح باستخدام الطائفية ، جنباً إلى جنب تصعيد العقوبات الاقتصادية.

منير الحمش : خبير اقتصادي وعضو لجنة الحوار الوطني

About The Syrian Revolution 2011 - Lies and the Truth

The Syrian Revolution 2011 – Lies and the Truth مع تحيات كتيبة سيريان ليكس شعارنا : الشعب الوطن القائد best Regards SyrianLeaks Battalion https://syrianleaks.wordpress.com/ https://www.facebook.com/SyrianLeaks2011 http://www.youtube.com/SyrianLeaks2011 (Tribute to our martyrs of the civilian and military )
This entry was posted in News & Articles and tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s